رغم الخلافات والإختلافات: نعم لحرية التعبير… لا للتطاول على رموز السلطة!

منذ أن هلّت علينا  الثورة التونسية  صرنا نعيش تداخلا عجيبا بين حرّية التعبير والتهوّر الذي يصل بعضه إلى  مرتبة «التجودير» . وخلال السنوات الستّ التي عشناها بعد 14 جانفي 2011  اختلط الحابل بالنابل واختلطت القيم والمفاهيم إلى درجة أن بعضها انقلب رأسا على عقب  فلم  يعد الكثير من عباد الله على اختلاف مستوياتهم ودرجات علمهم وتعلّمهم  يفرّقون بين أن ننقد عمل أحدهم أو سياسته أو تصريحاته وبين أن نغلظ القول له وأن نخاطبه بكلام غير لائق ليس بمقام  الشخص المستهدف فقط بل  بمقام  «الناقد»  نفسه.
وفي هذا الإطار أثار المحامي الأستاذ سيف الدين مخلوف جدلا واسعا في البلاد  بين من أيّده واعتبر ذلك حرية تعبير ومن لامه بشدة  معتبرا أن ما أتاه لا يمتّ إلى حرية التعبير بأيّة صلة قرابة حتى من بعيد. وللتذكير فقط كتب الأستاذ كلمات  في حق رئيس الحكومة يوسف الشاهد على خلفية تصريح هذا الأخير في مجلس نواب الشعب وقوله إن المرحوم «لطفي نقّض» شهيد تونس كلّها… وما إلى ذلك من تصريحات.  وخاطب  الأستاذ رئيس الحكومة بقوله: «ضمّ فمّك خيرلّك  وإلّا… كان تلهيت بحوايجك  خير…» أو في هذا المعنى بالتحديد.

وطبعا من حق رئيس الحكومة أن يصرّح بما يشاء إذ لا ننسى أنه ينتمي إلى حزب نداء تونس مثلما نعرف ويعرف معنا الأستاذ سيف الدين مخلوف. كما أن من حق الأستاذ (ومن حق غيره أيضا) أن ينقد تصريحات رئيس الحكومة مثلما يريد ويشتهي. ولا أعتقد أن محاميا  بمثل جرأته وفصاحته تعوزه المفردات والمصطلحات حتى يسقط في فخّ التطاول على المقامات. فيوسف الشاهد ومهما كان اختلافنا معه يبقى رئيس حكومة  البلاد التونسية التي ننتمي إليها جميعا.

ويبقى علينا كتونسيين واعين أن نحترمه إن لم يكن لشخصه  فلمنصبه  على غرار ما يحدث في كافة ديمقراطيات العالم المتحضّر.

أما أن نسمح لأنفسنا بمخاطبته وكأنه  جليس في مقهى  فهذا لا يليق حتى بالأستاذ المحامي الذي  سمح لنفسه بهذا الانحدار.
وحتى لا يفهم كلامي على أنه دفاع عن يوسف الشاهد  أقول للأستاذ وكل من جاراه في موقفه إنني مع  أن يستنكر موقف رئيس الحكومة أو تصريحاته من خلال  النواميس المعروفة وضوابط العمل المعروفة أيضا  لكنّي ضدّ أن يتحوّل الخطاب  النقدي إن صحّ  فيه الوصف إلى تهكّم وإلى إهانة  للشخص ولمنصبه  مهما كان هذا الشخص. وليعلم الأستاذ أنني لست من أنصار «النداء»  ولست من أنصار أي حزب في هذه البلاد ولن أكون كذلك في يوم من الأيام  وأن لي مواقف يعرفها الجميع  من هذا الحزب ومن كافة قيادييه  وأيضا من كافة الأحزاب الأخرى. لكن عندما أكتب عن أي شخص من هذا الحزب  أو غيره  وكصحافي محترف  وواع بما أكتب وما أقول أترك أرائي  ومواقفي الخاصة في بيتي وأحتفظ بها لنفسي  وأقول مثلا  «رئيس الجمهورية  الباجي قائد السبسي»  أو رئيس الحكومة يوسف الشاهد أو فلان الفلاني   القيادي في نداء تونس  أو عضو الحزب الفلتاني… وهكذا دواليك .

فبالنسبة إليّ  فإن المقامات هي التي يجب أن تحفظ مهما كان الأشخاص الذين يتولّون المناصب… والباجي قائد السبسي مثلا هو رئيس الجمهورية التونسية التي أنتمي إليها غصبا عنّي  وعنه وعن كافة الذين لم ينتخبوه  لأنه منتخب من قبل أغلبيّة رأت فيه الرجل الأنسب ليكون ريسا للبلاد.
ومرّة أخرى أقول إن ما أتاه الأستاذ مخلوف خطأ فظيع ما كان ليقع فيه لو أنه أعمل العقل بدل العاطفة. ولا أظنّ أن الأستاذ حاول جلب الإنتباه لا غير خاصة أن بعض وسائل الإعلام تحدّثت  قبل يومين عن عزم رئيس الحكومة مقاضاة  الأستاذ مخلوف  على خلفيّة ما كتب وما قال في حقّه.

ولعلّ المثير للدهشة أن البعض في هذه البلاد (ولا أقصد هنا تحديدا الأستاذ مخلوف) يتصوّر نفسه «طزّ حكمة»  وحتى إن أخطأ لا يتراجع ويظل ثابتا على خطئه حتى من منطق  «معيز ولو طاروا»  بالرغم من أنه يعرف أن  «المعيز ما يطيروش»  في هذا الزمن المعكوس .

جمال المالكي

المقالات ذات الصلة

X