بلدان المغرب العربي: حصاد اقتصادي متباين في 2016

حصاد اقتصادي متباين في 2016

عند محاولة جرد الحصيلة الاقتصادية لبلدان المغرب العربي تحديدا المغرب، والجزائر، وتونس، خلال العام 2016، نلاحظ تفاوتا في الأهداف المحققة، والملفات الاقتصادية التي فُتحت أو اكتملت بناءا على العوامل الداخلية لكل بلد، والمتمثلة في خصوصية التوازنات الماكرو اقتصادية المحلية، اضف الى ذلك العوامل الخارجية التي يمكن اختزالها عموما في هذه السنة في بيئة إقليمية غير مستقرة، وتواضع الاداء الاقتصادي لدى الشركاء الرئيسيين للبلدان الثلاثة، وتذبذب أسعار النفط.

تونس: التوتر السياسي والاحتقان الاجتماعي في 2016 يعصف بالانتعاش الاقتصادي المنشود

مجددا دفع الاقتصاد التونسي في 2016 ثمن التوترات السياسية والاجتماعية والامنية، بحيث من المنتظر أن لا يتجاوز معدل النمو في أحسن الأحوال 1.5 في المائة. كما سيواصل عجز الميزانية تصاعده ليستقر على الأقل في 5.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعنى اللجوء مرة أخرى إلى الاقتراض الخارجي لسد ثقوب الميزانية. هذا الركود الاقتصادي جلب يوسف الشاهد على راس حكومة وحدة وطنية منحها البرلمان الثقة في 26 من غشت، لتجد نفسها في مواجهة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي ناهض بشدة التدابير التقشفية التي تضمنها مشروع قانون مالية 2017. كما توسعت الجبهة المعارضة للميزانية لتشمل المحامين والأطباء والصيادلة الذين أبدوا رفضهم للإجراءات الضريبية الجديدة المتضمنة في ميزانية العام المقبل والتي تماس انشطتهم المهنية. هذه العوامل اجبرت الحكومة الجديدة، على التراجع في نهاية المطاف عن جميع التدابير المتنازع عليها.

وضمن اللحظات البارزة في الحصاد الاقتصادي التونسي لهذه السنة، المصادقة بداية على القانون المتعلق بالبنوك والمؤسسات المالية لتحديث المنظومة المالية والبنكية للبلاد، لكن تم الطعن دستوريا في بعض بنود القانون ليعود مجددا الى البرلمان. بالمقابل من نقاط الضوء القليلة في الحياة الاقتصادية لتونس هذا العام، تمرير مدونة الاستثمار الجديدة، والنجاح في تنظيم المؤتمر الدولي للاستثمار الذي حصلت فيه تونس على تعهدات من المانحين الدوليين بقيمة 14 مليار يورو على شكل هبات وقروض ومساعدات واستثمارات.

المغرب: صمود المؤشرات الاقتصادية رغم موسم فلاحي طبعه الجفاف

كان لموجة الجفاف التي عرفها الموسم الفلاحي اثر سلبي على اداء الاقتصاد المغربي في 2016، وكنتيجة لذلك تفيد احدث توقعات البنك المركزي بان معد النمو لن يتجاوز 2, 1 في المائة، مع تراجع القيمة المضافة الفلاحية بنسبة 6, 9 في المائة، وتباطؤ الناتج الداخلي الخام الإجمالي غير الفلاحي إلى 6, 2 في المائة.

ومع مطلع السنة كان المغاربة على موعد مع التحرير الكامل لأسعار المحروقات السائلة لترفع الحكومة يدها كليا عن دعم المواد البترولية السائلة، وتصبح خاضعة لمنطق العرض والطلب، مع الاكتفاء بدور المراقبة والتنظيم. ارتباطا بقطاع الطاقة اقترنت هذه السنة بانجاز مغربي ذو بعد دولي من خلال تدشين محطة “نور1” للطاقة الشمسية، التي تعتبر الأكبر من نوعها في العالم، هذه المنشأة التي تطلب بنائها نحو 7 ملايير درهم (حوالي 690 مليون دولار أميركي) تعد المرحلة الأولى من مشروع مركب نور-ورزازات الهادف إلى إنتاج 580 ميغاوات من الكهرباء. ان الحديث عن هذا المشروع الطاقي الواعد يقود الى حدث تنظيم المغرب في شهر نونبر للدورة 22 لمؤتمر الأطراف في الاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن التغيرات المناخية (كوب22)، خلاله استطاع المغرب استقطاب تمويلات عديدة لإقامة مشاريع اقتصادية صديقة للبيئة وطنيا وقاريا.

2016 كانت بالنسبة للمغرب سنة تكريس ديبلماسيته الاقتصادية في محيطه القاري من خلال زيارات قام بها العالهل المغربي الى عدد من الاقطار الافريقية، خاصة في شرق القارة، حيث تم التوقيع على مجموعة الاتفاقيات الاقتصادية تهم خاصة اقامة مصانع للاسمدة الفلاحية غير ان ابرز هذه الاتفاقيات تلك الموقعة مع نيجيريا لمد خط انابيب لنقل الغاز النيجري الى المغرب مع امكانية تصديره الى اوربا مرورا بعدد من الاقطار في الغرب الافريقي. وسط تقديرات تتحدث عن نحو 25 مليار دولار كتكلفة للمشروع.

الجزائر: 2016 تكريس التقشف في مواجهة تراجع عائدات المحروقات

لعل من ابرز مميزات هذه السنة مواصلة الجزائر سلك طريق التقشف للحد من تداعيات تراجع عائدات المحروقات بسبب استمرار تراجع اسعار النفطـ، وذلك من خلال تقليص النفقات العمومية، ورفع الضرائب ما أثر سلبا على القدرة الشرائية لعموم الجزائريين. اجراءات رغم كلفتها الاقتصادية والاجتماعية الباهظة الا انها ستمكن مبدئيا من تحقيق نسبة نمو لابأس بها، في ضوء توقعات رسمية بإنهاء هذه السنة في معدل 3.5 بالمئة، مع استمرار هوة العجز الذي بلغ عند متم نونبر ازيد من 17 عشر مليار دولار. فضلا عن تراجع احتياطات الصرف التي من المرتقب ان تصل الى 117 مليار دولار نهاية 2016 (مقابل حوالي 180 مليار دولار نهاية 2014), وتعاظم نسبة التضخم المقدرة ب 6 بالمئة.

ولوقف هذا النزيف في المالية العمومية تم هذه السنة اطلاق ما يسمى في الجزائر بالقرض السندي، وهو عبارة عن قروض في شكل سندات للخزينة، مكنت الدولة من تحصيل حوالي 570 مليار دينار. كما تم اللجوء الى الاستدانة الخارجية من خلال طلب قرض من البنك الافريقي للتنمية بقيمة 900 مليون اورو.

وسط كل هذه المؤشرات الحمراء تبنت الجزائر في سنة 2016 ما قُدم على أنه النموذج الاقتصادي الجديد للنمو الهادف الى تنويع الاقتصاد خارج دائرة المحروقات، وانسجاما مع هذه الرؤية تبنى البرلمان القانون الجديد للاستثمار. ولعل قطاع تصنيع السيارات احد القطاعات الواعدة التي يمكن ان تستفيد من القانون الجديد حيث استقطبت الجزائر في هذه السنة شركة فولسفاغن بعد التوقيع معها على بروتكول اتفاق لإقامة مصنع للعملاق الالماني في صناعة السيارات بولاية غليزان بقيمة تناهز 170 مليون اورو . هذا المشروع الاستثماري المهم لا يخفي فشل الجزائر في جلب استثمارات اجنبية اخرى في ضوء تواضع حصيلة منتدى الاستثمار والأعمال الافريقي الذي نظمته وعرف تجاذبات سياسية اثرت على مردوديته الاقتصادية المتوخاة.

المصدر:موقع”مستثمر”

المقالات ذات الصلة

X